محمد المختار ولد أباه

273

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

ها هي كانت خصائصه الفكرية والعلمية ، ولقد أتيح له أثناء رحلته إلى المشرق أن يصحب عالمين ساعد كل منهما في مجاله أن ينمي مواهبه حتى بلغ ما يروم . صحب الرباحي أبا جعفر أحمد بن محمد الصفار المشهور بالنحاس . وغرف من فيض علمه الشيء الكثير . وهو الذي أخذ عنه رواية كتاب سيبويه . كما صحب أيضا عليا بن الحسن المصري المعروف بعلان « 1 » ( ت 337 ه ) وهو ممن قيل عنه إنه من ذوي النظر والإدقاق في المعاني ، وإنه كان قليل الحفظ للأصول ، لكنه إذا حفظ أصلا يتكلم عليه بأحسن الكلام ، وأتى بأجود التحليل . وهكذا أخذ الرباحي علم الرواية عن النحاس ، وأخذ علم الدراية عن علان ، فرسم للأندلسيين منهجا يرمي إلى تدبر أصول هذا العلم وعرض الآراء فيها على محك النقد المتحرر ، والحرص على حسن الاختيار . لقد كان الرباحي من ألمع اللغويين في المشرق ، ولما دخل الأندلس بث فيها معارفه الواسعة بالأدب والشعر واللغة . ولقد وجد الرباحي الدراسة النحوية قاصرة على المؤدبين الذين يقول عنهم الزبيدي : « ليس عندهم كبير علم فكانوا يعانون إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها ، وتقريب المعاني لهم في ذلك ، إذ لم يأخذوا بأنفسهم بدقائق العربية وغوامضها والاعتلال لمسائلها » « 2 » . فكانوا مثلا لا يحسنون النظر في الأبنية والتصريف ، ولا يفقهون قواعد الإمالة والإدغام . فطلع عليهم الرياحي بمنهج جديد متطور ، حيث أنه : أولا : نقل إليهم كتاب سيبويه ، برواية متصلة ، ليعتمد أساسا ناسخا لما عرفته الأندلس قبل ، من نحو الكوفيين أمثال الكسائي والفراء ، ومن الملاحظ أن رواية الرباحي صارت البضاعة التي ردت إلى المشارقة

--> ( 1 ) ترجمته في الزبيدي طبقات النحويين . ص 222 . ( 2 ) الزبيدي : طبقات النحويين ، ص 311 .